محمد هادي معرفة

95

التمهيد في علوم القرآن

فالضرب الأول يتعلّق بالأمور اللفظية ، وهذا نحو التجنيس ، وهو أن تكون الألفاظ متشابهة في الأعجاز والأوزان وغير ذلك ، وقد يقع في المتواطئ كقوله تعالى وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ وقد يكون في المشترك كقولهم : ما ملاء الراحة من استوطن الراحة ، ومنه التسجيع ، وهذا كقوله تعالى ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً وأكثر القرآن وارد على جهة التسجيع ، ومنه ردّ العجز على الصدر كقوله تعالى وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ ومنه الموازنة كقوله تعالى وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ومنه القلب كقوله تعالى كُلٌّ فِي فَلَكٍ وقوله تعالى وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ إلى غير ذلك ممّا يتعلّق بأحوال الألفاظ كما ترى . والضرب الثاني ما يتعلّق بالأمور المعنوية ، وهو أكثر دورا وأعظم إعجابا في البلاغة ، وهذا نحو الطباق ، وهو ذكر النقيضين كقوله تعالى يُحْيِي وَيُمِيتُ وقوله هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وقوله تعالى وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ والطباق كثير الاستعمال في كتاب اللّه تعالى ، ومنه اللفّ والنشر كقوله تعالى وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إلى غير ذلك من أنواع البديع وضروبه ، وقد أتينا على جميع أنواعه كلّها ، وأوردنا لها شواهد وأمثلة . فأغنى عن التكرير والإعادة في ذلك . دقيقة : اعلم أنّ هذه الأنواع الثلاثة - أعني علم المعاني والبيان وعلم البديع - مآخذها مختلفة ، وكلّ واحد منها على حظّ من علم البلاغة والفصاحة ، ولنضرب لها مثالا يكون دالّا عليها ومبيّنا لموقع كلّ واحد منها ، وهو أن تكون حبّات من ذهب ودرر ولآلىء ويواقيت ، وغير ذلك من أنواع الأحجار النفيسة ، ثم إنها ألّفت تأليفا بديعا ، بأن خلط بعضها ببعض وركّبت تركيبا